لماذا تتحول بعض شكاوى العملاء إلى نزاعات رغم إمكانية حلها منذ أول رسالة؟

3 Min Read

بقلم: عماد بدري الشامي

خلال سنوات عملي في العقود وخدمة العملاء، مرّت أمامي شكاوى كثيرة بدأت بملاحظة بسيطة، ثم تحولت مع الوقت إلى سلسلة طويلة من الرسائل والاعتراضات، وأحيانًا إلى نزاع قانوني.

والسؤال الذي يستحق التوقف عنده هو:

هل كانت المشكلة الأصلية فعلًا تستحق كل ذلك؟

في كثير من الحالات، لا.

أحيانًا لا تكمن المشكلة في الشكوى نفسها، بل في طريقة التعامل معها منذ اللحظة الأولى.

عميل يرسل اعتراضًا، فيتلقى ردًا عامًا لا يجيب عن سؤاله.

فيرسل رسالة ثانية أكثر حدة.

فتتعامل الشركة مع حدة الأسلوب بدلًا من أصل المشكلة.

ثم يشعر العميل بأنه لا يُسمع، بينما تشعر الشركة بأن العميل أصبح متعنتًا.

وهكذا يتحول الخلاف من البحث عن حل إلى محاولة كل طرف إثبات أن الطرف الآخر مخطئ.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

من واقع التجربة، أرى أن أول رد على الشكوى قد يكون أحيانًا أهم من عشرات الرسائل التي تأتي بعده.

الرد الجيد لا يعني الاعتراف بخطأ غير موجود، كما أن حماية موقف الشركة لا تعني رفض كل ما يقوله العميل.

يمكن أن تقول للعميل بوضوح: طلبك لا يتفق مع العقد، وفي الوقت نفسه تشرح له السبب وتقدم له البدائل المتاحة إن وجدت.

وفي المقابل، من الخطأ أيضًا الاعتقاد بأن مجرد تقديم شكوى يجعل صاحبها محقًا تلقائيًا.

هناك فرق بين حق العميل في الاعتراض وبين صحة الاعتراض من الناحية التعاقدية أو القانونية.

فالشكوى يجب أن تُفحص من خلال العقد، والمراسلات، والخدمات المقدمة، والالتزامات التي نفذها كل طرف، وليس فقط من خلال قوة اللغة المستخدمة في الرسالة.

ومن أكثر الأخطاء التي شاهدتها خلال سنوات العمل أن بعض المؤسسات تتعامل مع الشكاوى باعتبارها ملفات يجب إغلاقها، بينما يتعامل بعض العملاء معها باعتبارها وسيلة ضغط للحصول على ما لم ينص عليه الاتفاق.

وكلا النهجين يبعدنا عن الحل.

الإدارة الناجحة للشكوى تبدأ بسؤال بسيط:

ما أصل المشكلة، وما الحل الممكن ضمن الحقوق والالتزامات؟

إذا أخطأت الشركة، فمن الأفضل معالجة الخطأ مبكرًا.

وإذا كان طلب العميل غير مستحق، فمن الأفضل توضيح ذلك مبكرًا وبالأدلة.

وإذا كانت هناك مساحة لحل وسط يحفظ حقوق الطرفين وينهي النزاع، فلماذا ننتظر حتى يصبح الرجوع إلى الحوار أكثر صعوبة؟

بعد سنوات طويلة في هذا المجال، تعلمت أن كثيرًا من النزاعات لم تكن بحاجة في بدايتها إلى محامٍ أو شكوى رسمية أو عشرات الرسائل.

كانت بحاجة فقط إلى شخص يستمع جيدًا، يراجع المستندات، يفهم المشكلة، ثم يرد بوضوح واحترام وفي الوقت المناسب.

فالشكوى التي تُدار جيدًا قد تتحول إلى فرصة لاستعادة الثقة.

أما الشكوى التي تُهمل أو تُدار بعقلية المواجهة، فقد تتحول إلى نزاع لم يكن ضروريًا من الأساس.

أحيانًا لا تكون مهارة إدارة النزاع في معرفة كيف تنتصر فيه، بل في معرفة كيف تمنع حدوثه من البداية.

عماد بدري الشامي

Share This Article
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *