القانوني الذي يقول دائماً «لا»… قد يكون خطراً على المؤسسة

6 Min Read

قلم: عماد بدري الشامي

هناك صورة تقليدية عن القانوني داخل بعض المؤسسات: الشخص الذي تصل إليه الفكرة فيبحث أولاً عن أسباب رفضها.

هل نستطيع تنفيذ هذا المشروع؟ لا.
هل يمكن توقيع هذه الصفقة؟ لا.
هل نستطيع قبول هذا الشرط؟ لا.
هل يوجد حل آخر؟ المخاطر كثيرة.

ومع مرور الوقت، قد تصبح الإدارة مقتنعة بأن أفضل طريقة لإنجاز الأعمال هي عدم إشراك الإدارة القانونية إلا في اللحظة الأخيرة.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

لأن القانوني الذي يقول دائماً «لا» قد يعتقد أنه يحمي المؤسسة، بينما قد يكون عملياً يدفع الإدارات الأخرى إلى العمل بعيداً عنه.

وظيفة القانوني ليست تعطيل الأعمال

من الطبيعي أن يكون القانوني أكثر حذراً من الإدارات التجارية أو التشغيلية. فهذا جزء من مسؤوليته.

لكن الحذر شيء، وتحويل الإدارة القانونية إلى بوابة للرفض شيء آخر تماماً.

دور القانوني ليس أن يضمن عدم وجود أي مخاطرة؛ فهذا أمر شبه مستحيل في عالم الأعمال.

كل عقد يحمل مخاطرة، وكل استثمار يحمل مخاطرة، وكل قرار تجاري تقريباً يحمل احتمالاً لنتيجة غير مرغوبة.

المطلوب هو أن يحدد القانوني هذه المخاطر، ويشرح حجمها، ويبين نتائجها، ثم يساعد الإدارة على الوصول إلى الطريق الأكثر أماناً لتحقيق الهدف.

وهنا يظهر الفرق بين القانوني الذي يحفظ النصوص والقانوني الذي يفهم الأعمال.

لا تقل «لا» فقط… قدم البديل

عندما يأتي قسم المبيعات أو الإدارة أو التشغيل بفكرة تحمل مشكلة قانونية، فإن أسهل إجابة قد تكون:

«لا يمكن.»

لكن القيمة المهنية الحقيقية تبدأ بالسؤال التالي:

إذا لم نستطع تنفيذها بهذه الطريقة، فكيف نستطيع تنفيذها بطريقة أخرى؟

ربما يحتاج العقد إلى تعديل.

ربما نحتاج إلى موافقة إضافية.

ربما يجب تغيير آلية الدفع.

ربما نحتاج إلى إفصاح أو ضمان أو مستند إضافي.

وربما تكون المخاطرة بالفعل مرتفعة إلى درجة تجعل التوصية بعدم الاستمرار هي القرار الصحيح.

لكن حتى في هذه الحالة يجب أن يفهم صاحب القرار لماذا نقول لا، وما الذي قد يحدث إذا قرر الاستمرار.

القانوني ليس صاحب القرار دائماً

هذه نقطة مهمة داخل المؤسسات.

دور المستشار القانوني هو تقديم الرأي وتحديد المخاطر واقتراح الحلول ضمن صلاحياته، لكن القرار التجاري النهائي قد يكون من اختصاص الإدارة المختصة.

وهنا يجب على القانوني أن يميز بين أمرين:

ما هو ممنوع قانوناً ولا يجوز للمؤسسة القيام به، وما هو مسموح لكنه يحمل مخاطرة تجارية أو تعاقدية.

الخلط بين الاثنين يجعل الإدارة القانونية تبدو وكأنها ترفض كل شيء، بينما الحقيقة أن بعض القرارات ليست ممنوعة، وإنما تحتاج فقط إلى إدارة مخاطر أفضل.

افهم العمل قبل أن تكتب العقد

لا يمكن للقانوني أن يقدم قيمة حقيقية للمؤسسة إذا كان لا يفهم كيف تحقق المؤسسة إيراداتها، ومن هم عملاؤها، وكيف تعمل إداراتها، وما المشكلات التي تواجهها.

العقد ليس مجموعة مواد وبنود منفصلة عن الواقع.

قد تكتب عقداً ممتازاً من الناحية القانونية، لكنه مستحيل التطبيق عملياً.

وقد تضع شروطاً تحمي المؤسسة إلى أقصى درجة، لكنها تجعل أي طرف تجاري عاقل يرفض التوقيع.

ولهذا فإن أفضل القانونيين داخل الشركات ليس بالضرورة من يكتب أقسى عقد، بل من يستطيع صياغة عقد يحمي المؤسسة وفي الوقت نفسه يسمح للصفقة بأن تتم بصورة عملية ومتوازنة.

الخطر الأكبر عندما تتوقف الإدارات عن استشارتك

إذا أصبحت الإدارة القانونية معروفة بأنها تقول «لا» لكل شيء، سيحدث أمر أخطر من الاختلاف معها:

سيتوقف الناس عن سؤالها.

قد تبدأ الإدارات بإرسال العقود بعد الاتفاق عليها بدلاً من قبل التفاوض.

وقد تظهر المشكلات أمام الإدارة القانونية بعد وقوعها، بدلاً من إشراكها في مرحلة كان يمكن فيها منع المشكلة.

وهنا يتحول القانوني من شريك في صناعة القرار إلى شخص يتم استدعاؤه لإطفاء الحرائق.

وهذا ليس نجاحاً للإدارة القانونية، حتى لو كانت تستطيع القول لاحقاً:

«لقد حذرناكم.»

النجاح الحقيقي هو ألا تصل المؤسسة إلى الحريق أصلاً.

القانوني شريك في الأعمال… لكن ليس على حساب استقلاله

وفي المقابل، هناك خطأ في الاتجاه الآخر أيضاً.

فالدعوة إلى أن يكون القانوني «Business Partner» لا تعني أن يتحول إلى شخص يبحث عن طريقة لتبرير كل ما تريده الإدارة.

هناك لحظات يجب فيها أن يقول القانوني «لا» بوضوح وحزم.

عندما يكون التصرف مخالفاً للقانون، أو ينطوي على تضليل، أو يعرض المؤسسة لمسؤولية لا يمكن تبريرها، تصبح كلمة «لا» جزءاً من الأمانة المهنية وليست عائقاً أمام الأعمال.

المهارة الحقيقية ليست في عدم قول «لا».

بل في معرفة متى تقولها، ولماذا، وماذا تقترح قبلها أو بعدها.

من إدارة قانونية إلى شريك استراتيجي

القانوني الذي يصنع فارقاً داخل المؤسسة هو من يستطيع أن يجلس مع الإدارة ويفهم السؤال التجاري قبل أن يقدم الإجابة القانونية.

لا يقول فقط:

«هذا البند خطر.»

بل يقول:

«هذا هو الخطر، وهذه احتمالية حدوثه، وهذه آثاره، وهذه البدائل المتاحة لتقليله، وهذه توصياتي.»

عندها لا تعود الإدارة القانونية مجرد جهة تراجع العقود.

تصبح جزءاً من صناعة القرار وإدارة المخاطر وحماية استمرارية الأعمال.

في النهاية

القانوني الناجح ليس من يقول «نعم» لكل شيء، وليس من يقول «لا» لكل شيء.

هو من يعرف متى يقول:

نعم.

ومتى يقول:

نعم، ولكن بهذه الشروط.

ومتى يقول:

هناك طريقة أخرى أكثر أماناً.

ومتى تكون الإجابة المهنية الوحيدة:

لا.

لأن المؤسسة لا تحتاج إلى قانوني يمنعها من الحركة، ولا إلى قانوني يوافق على كل ما تريده.

إنها تحتاج إلى قانوني يساعدها على التحرك… ولكن في الاتجاه الصحيح.

ملاحظة: يعبر هذا المقال عن رؤية الكاتب وخبرته المهنية في دور الإدارات القانونية داخل المؤسسات، ولا يمثل رأياً قانونياً بشأن حالة أو مؤسسة بعينها.

Share This Article
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *