بقلم/ اسلام كرم
رئيس لجنة متابعة الأداء والتحول الرقمي بالقاهرة لحزب الحرية المصري
أرى أن العالم يعيش اليوم مرحلة مفصلية تقودها تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي فرضت نفسها كأحد أبرز محركات التحول في القرن الحادي والعشرين. فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية حديثة أو أداة تكنولوجية، بل أصبح عنصرًا استراتيجيًا يعيد صياغة منظومات الإدارة، ويطور آليات اتخاذ القرار، ويرفع كفاءة الأداء داخل المؤسسات بمختلف أنواعها.

ورغم ما تفرضه هذه الثورة التقنية من تحديات تتعلق بالأمن السيبراني، وحماية البيانات، وبناء الثقة، وتأثيرها المتزايد على سوق العمل، فإنني أرى أنها تمثل في الوقت ذاته فرصة تاريخية لإحداث نقلة نوعية في أساليب الإدارة والتنمية، من خلال توظيف الحلول الذكية في معالجة المشكلات الاقتصادية والإدارية، وتعزيز القدرة على الابتكار، وتحقيق مستويات أعلى من الكفاءة والإنتاجية.
وأعتقد أن المستقبل القريب سيشهد توسعًا غير مسبوق في الاعتماد على الأتمتة وتحليل البيانات والأنظمة الذكية، وهو ما سينعكس بصورة مباشرة على قطاعات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وإدارة الشبكات، وإنترنت الأشياء، والمدن الذكية، وغيرها من المجالات الحيوية. وستكون المؤسسات التي تستثمر مبكرًا في تقنيات الذكاء الاصطناعي هي الأكثر قدرة على المنافسة، والأسرع في التكيف مع المتغيرات العالمية.
ومن وجهة نظري، فإن نجاح التحول الرقمي لا يتحقق بالاعتماد على التكنولوجيا وحدها، بل يرتبط بوجود بيئة تنظيمية صحية تمتلك قيادة واعية، ورؤية استراتيجية واضحة، وثقافة مؤسسية تشجع على الابتكار، وتدعم الكفاءات، وتحفز العاملين على الإبداع وتحمل المسؤولية، بما يضمن تحقيق أهداف المؤسسة بكفاءة واستدامة.
كما أرى أن الهوية التنظيمية أصبحت اليوم أحد أهم الأصول غير الملموسة التي تمتلكها المؤسسات، فهي تعبر عن ثقافتها وقيمها ورسالتها وسمعتها، وتشكل عاملًا حاسمًا في بناء الثقة وتعزيز الانتماء المؤسسي. ومن هنا، فإن دمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل بيئة تنظيمية سليمة يسهم في ترسيخ تلك الهوية، والارتقاء بجودة الأداء، وتحسين تجربة العاملين والمتعاملين مع المؤسسة على حد سواء.
وفي النهاية، أؤمن بأن المؤسسات التي تنجح في الجمع بين التقنيات الذكية والإدارة الرشيدة والصحة التنظيمية ستكون صاحبة الريادة خلال المرحلة المقبلة. فالذكاء الاصطناعي والتحول المؤسسي لم يعودا خيارين منفصلين، بل أصبحا معًا ركيزة أساسية لبناء مؤسسات أكثر مرونة وكفاءة وابتكارًا، وقادرة على تحقيق التنمية المستدامة ومواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.